العيني

67

عمدة القاري

أيضاً فيحمل على أن المراد بالحكمة أيضاً القرآن ، فيكون بعضهم رواه بالمعنى . وقال جماعة من الصحابة والتابعين في قوله تعالى : * ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة ) * الآية ( البقرة : 269 ) . إن الحكمة القرآن . فإن قلت : روى الترمذي والنسائي من طريق عطاء عن ابن عباس قال : دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أَوتى الحكمة مرتين . قلت : يحتمل تعدد الواقعة فيكون المراد بالكتاب القرآن ، وبالحكمة السنة ، وقد فسرت الحكمة بالسنة في قوله تعالى : * ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) * ( البقرة : 129 ) قالوا : المراد بالحكمة هنا السنة التي سنها رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، بوحي من الله تعالى ، ويؤيد ذلك رواية عبد اللَّه بن أبي يزيد عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، التي أخرجها الشيخان بلفظ : ( اللهم فقهه ) ، وزاد البخاري في رواية : ( في الدين ) . وذكر الحميدي في ( الجمع ) : أن أبا مسعود ذكر في ( أطراف الصحيحين ) ، بلفظ : ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) . قال الحميدي : هذه الزيادة ليست في الصحيحين ، وهي في رواية سعيد بن جبير عند أحمد وابن حبان ، ووقع في بعض نسخ ابن ماجة من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء بلفظ : ( اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب ) . وهذه الرواية غريبة من هذا الوجه ، وقد رواها الترمذي والإسماعيلي وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها ، وروى ابن سعد من وجه آخر عن طاوس عن ابن عباس قال : ( دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على ناصيتي وقال : اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب ) . وقد رواه أحمد عن هشيم عن خالد في حديث الباب بلفظ : ( مسح على رأسي ) . فإن قلت : ما معنى تسمية الكتاب والسنة بالحكمة ؟ قلت : أما الكتاب فلأن الله تعالى أحكم فيه لعباده حلاله وحرامه ، وأمره ونهيه . وأما السنة فحكمة فصل بها بين الحق والباطل ، وبيَّن بها مجمل القرآن . وقال الكرماني : فإن قلت : هل جاز أن لا يستجاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : لكل نبي دعوة مستجابة ، وإجابة الباقي في مشيئة الله تعالى ، وأما هذا الدعاء فمما لا شك في قبوله ، لأنه كان عالماً بالكتاب ، حبر الأمة ، بحر العلم ، رئيس المفسرين ، ترجمان القرآن . وكونه في الدرجة القصوى في المحل الأعلى منه ، مما لا يخفى . وقال ابن بطال : كان ابن عباس من الأحبار الراسخين في علم القرآن والسنة ، أجيبت فيه الدعوة ، إلى هنا كلام الكرماني . قلت : هذا السؤال لا يعجبني ، فإن فيه بشاعة ، وأنا لا أشك أن جميع دعوات النبي صلى الله عليه وسلم مستجابة . وقوله : ( لكل نبي دعوة مستجابة ) ، لا ينفي ذلك ، لأنه ليس بمحصور . فإن قلت : ما كان سبب هذا الدعاء لابن عباس ؟ قلت : بيَّن ذلك البخاري ومسلم في الرواية الأخرى عن ابن عباس . قال : ( دخل النبي ، عليه الصلاة والسلام ، الخلاء فوضعت له وضوأ ) . زاد مسلم : ( فلما خرج ثم اتفقا قال : من وضع هذا ؟ فأخبر ) . ولمسلم : ( قالوا : ابن عباس ) . وفي رواية أحمد وابن حبان من طريق سعيد بن جبير عنه أن ميمونة هي التي أخبرته بذلك ، ، وأن ذلك كان في بيتها ليلاً . قلت : ولعل ذلك في الليلة التي بات فيها ابن عباس عندها ليرى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى . بيان استناط الأحكام : الأول : فيه بركة دعائه ، عليه الصلاة والسلام ، وإجابته . الثاني : فيه فضل العلم والحض على تعلمه وعلى حفظ القرآن والدعاء بذلك . الثالث : فيه استحباب الضم ، وهو إجماع للطفل والقادم من سفر ولغيرهما ، ومكروه عند البغوي ، والمختار جوازه ، ومحل ذلك إذا لم يؤد إلى تحريك شهوة . هذا مذهب الشافعي ، ومذهب أبي حنيفة أن ذلك يجوز إذا كان عليه قميص ، وقال الإمام أبو منصور الماتريدي : المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة ، وأما على وجه البر والكرامة فجائز . 18 ( ( باب متَى يَصِحُّ سَماعُ الصَّغِيرِ ) ) وفي رواية الكشميهني : الصبي الصغير ، أي : هذا باب ، وهو منون ، وكلمة : متى ، للاستفهام . إذا قلت : متى القتال ؟ كان المعنى اليوم أم غداً أم بعد غد . وبني لتضمنه معنى حرف الاستفهام ، كما في المثال المذكور . قال الكرماني : معنى الصحة جواز قبول مسموعه . وقال بعضهم هذا تفسير لثمرة الصحة لا لنفس الصحة . قلت : كأنه فهم : أن الجواز هو ثمرة الصحة وليس كذلك ، بل الجواز هو الصحة وثمرة الصحة عدم ترتب الشيء . عليه عند العمل فإن قلت : ما وجه المناسبة بين البابين ؟ قلت : من حيث إن ما ذكر في الباب الأول من دعائه ، عليه الصلاة والسلام ، لابن عباس ، إنما كان وابن عباس إذ ذاك غلام مميز ، والمذكور